الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

58

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة . فيقتلون جماعة منهم ويأسرون آخرين ويطردون طائفة ثالثة ويخرجونهم من ديارهم ويخربون حيهم وينهبون ثرواتهم وأموالهم . . ولمزيد التأكيد أردفت قائلة : وكذلك يفعلون . وفي الحقيقة . . إن ملكة سبأ التي كانت بنفسها ملكة ، كانت تعرف نفسية الملوك بصورة جيدة ، وأن سيرتهم تتلخص في شيئين : 1 - الإفساد والتخريب . 2 - وإذلال الأعزة . . . لأنهم يفكرون في مصالحهم الشخصية ، ولا يكترثون بمصالح الأمة وعزتها . . . وهما على طرفي نقيض دائما . ثم أضافت الملكة قائلة : علينا أن نختبر سليمان وأصحابه ، لنعرف من هم وما يريدون ؟ وهل سليمان نبي حقا أو ملك ؟ وهل هو مصلح أو مفسد ؟ وهل يذل الناس أم يحترمهم ويعزهم ؟ فينبغي أن نرسل شيئا إليه وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون . فالملوك لهم علاقة شديدة بالهدايا ، ونقطة الضعف كامنة في هذا الأمر ، فيمكن أن يذعنوا للهدايا الغالية . . . فإذا أذعن سليمان بهذه الهدية فهو ملك ، وينبغي أن نواجهه بالقوة فنحن أقوياء . . . وإذا ألح على كلامه ولم يكترث بنا فهو نبي ، وفي هذه الصورة ينبغي التعامل معه بالحكمة والتعقل ! ولم يذكر القرآن أية هدية أرسلتها الملكة إلى سليمان ، لكنه بتنكيرها بين عظمتها ، إلا أن المفسرين ذكروا مسائل كثيرة لا يخلو بعضها من الإغراق : قال بعضهم : أرسلت إليه خمسمائة غلام وخمسمائة جارية ممتازة ، وقد ألبست الرجال ثياب النساء والنساء ثياب الرجال ، وجعلت الأقراط في آذان